عبد الملك الجويني

473

نهاية المطلب في دراية المذهب

عيّن الألفَ وتلف ، انفسخ به ( 1 ) العقد ، وارتد به المبيع إلى ملك البائع . وإن كان قد اشترى في الذمة سلعةً بألف ، وكان على صرفِ الألف إلى الثمن ، فتلف في يده ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أن العقد باقٍ ، وعلى المولى إخراج ألفٍ آخر ؛ فإن العقدَ وقع له ، ولم يتعين الألف بالتعيّن ، فعلى السيد الوفاء بعهدة العقد . هذا هو الصحيح . والوجه الآخر أن السيد لا يلزمه إخراج ألف آخر . ثم اختلف الأصحاب : فمنهم من قال : ينفسخ العقد بتلف الألف ، كما لو كان معيَّناً في العقد ؛ من جهة أن السيد حصر إذنه في التصرف في ذلك الألف ، فإذا فات ، فقد انقطع محل الإذن ، ولم يلتزم السيد على الإطلاق الوفاءَ بعقده ، والانفساخُ على هذا الوجه اختيار القاضي . ومن أصحابنا من قال : للسيد أن يؤدي الألف من سائر ماله ؛ فإن العقد صحّ له ، فإن فعل ، جرى العقدُ ونفذ ، وإن أبى ، فالبائع يفسخ العقدَ حنيئذٍ . وكان شيخي يختار هذا الوجه ، وهو أمثل من الوجه الأول . والوجهان في الأصل قبل التفريع ينبنيان على ما إذا دفع الرجل ألفاً إلى واحد قِراضاً ، فاشترى به شيئاً من غير تعيين ، ثم تلفط الألفُ قبل تسليمه ، فهل يجب على المالك ألفٌ آخر ؟ أم ينقلب العقد إلى المقارِض العامل ؟ وسيأتي شرح ذلك ، إن شاء الله تعالى . فإن قلنا : في مسألة القراض : على ربّ المال توفيةُ الثمن ، فعلى السيد ذلك أيضاً . وإن قلنا : العقد ينقلب إلى العامل ، وينفذ عليه ، فلا يجب على السيد تأديةُ ألف آخر ، ثم يعود الكلام إلى الخلاف الذي قدمته في الانفساخ . ثم إذا قلنا : على السيد أن يأتي بألف آخر ، فقد ذكر أئمتنا وجهين في أن العامل هل يتصرّف فيه بحكم الإذن السابق ؟ أم لا بدّ من إذن جديد فيه ؟ وبنوا هذين الوجهين على ما إذا أوجبنا على مالك رأس المال في القراض أن يأتي بألف آخر ، فرأسُ المال ألفٌ أم ألفان ؟ فيه وجهان ، سيأتي شرحهما ، إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) به : أي بالتلف .